الجنيد البغدادي

166

رسائل الجنيد

من العمل بهما واللزوم لما أمر اللّه تعالى فيهما وكن على حذر من موافقة شيء مما تقدم به النعت من ذلك التأويل وخطأ الرأي فإن ذلك مؤدى إلى إحباط العمل وشدة الندامة في المنقلب . قال له العالم : أيها الحكيم قد أتيت على الذي في نفسي وبلغت مدى ما كان يجول في صدري وزدت على ذلك من الوصف أشياء عرفت فضلها وانكشف لي صواب العلم بها وأرجو أن يكون ذلك من فضل اللّه تعالى علي ورحمته وقد جعلك اللّه تعالى سببا لتنبيهي عن أمور لولا منة اللّه تعالى علي بك فيها لذهب بي التقصير عن العلم بها حيث ذهب بمن تقدم وصفك فاوقفني على حقيقة علمك بها على ذللّه وخطأ رأيه وقد أنعم اللّه علي بما أيدني به منك وعظم عندي قدر ما جعلك اللّه له أهلا وموضعا من شرحك لما تقدم من نعته ووصفه من أحوال الطبقات الثلاثة المتأولين ووقع لهم من الخطأ في القصد والميل بالعمل إلى غير منهجه وإلى الانحراف فيه عن سواء السبيل وقدر احتجت أن تصف لي مقام العاملين للّه تعالى بحقيقة العلم القائمين بحقه الصادقين فيما حملوا منه وفيما قلدوه من ناديه الممدوحين بنشره وبما نقلوا إلى من دونهم منه والمحتسبين في تعليمهم الناس على صحة الإرادة وإصلاح النية وجميل السيرة الذين لم تمل بهم الأطماع ولم يفتنهم الاختراع ولم تعرج بهم الأهواء ولم تسترقهم إرادات النفوس ولم تعطف بهم الدنيا ولم يجر عليهم الزلل والخطأ وكانوا في ذلك كله على صحة المعنى . قال الحكيم : أبشر بما فتح اللّه تعالى لك من باب السؤال ويسرك له من صحة المقال فإن ذلك إن شاء اللّه تعالى سبب لك إلى ركوب الأعمال ومباشرة جميل الأفعال ومؤديا لما أومله لك إلى تمهيد صدقك وأخلص الإرادة منه تعالى في حقيقته قصدك واجعل توسلك إلى الحكمة واستدعائك لما تحب منها تحصين سرك من العلل المانعة عنها وأصلح الضمير بإجمامه لما يحب لها . فإن الحكمة لمن اشتملت عليه فيها الرغبة واستولت على خالص سره المحبة أشد عطفا وحنينا وميلا من الأم الشفيقة والأب الرفيق وكأني مع ذلك أرى سحابا من العلم غدقة منبسطة عليك مؤنقة قد أظلك غمامها وقويت لك الآمال باستمامها واستمطر الغيث الكائن فيها بدوام الوقوف بحضرة فنائها وأدم الاستغاثة بمنزل الغيث ومنشر السحاب وكاشف الضر ومعتق الرقاب واعلم أنه جل ثناؤه يحيي بقطرة من غيث رحمته موات ما أنزلها لها عليه من بريته